محمد جمال الدين القاسمي

97

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 44 ] وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 44 ) وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ إعلام بأنه لما غرق أهل الأرض ، ولم يبق ممن كفر باللّه ديّار ، أمر تعالى الأرض أن تبلغ ماءها الذي نبع منها ، واجتمع عليها ، وأمر السماء أن تقلع عن المطر ، فنضب الماء ، وقضي أمر اللّه بإنجاء من نجا ، وإهلاك من هلك . ولما أخذت المياه تتناقص وتتراجع إلى الأرض شيئا فشيئا ، وظهرت رؤوس الجبال ، استقرت السفينة على الجودي ، وهو جبل بالجزيرة قرب الموصل . و ( بعدا ) مصدر منصوب بمقدر ، أي وبعدوا بعدا . يقال : بعد بعدا إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ونحو ذلك ، ولذلك اختص بدعاء السوء ك ( جدعا ) و ( تعسا ) و ( اللام ) متعلقة بمحذوف ، أو للبيان ، أو متعلقة ب ( قيل ) أي لأجلهم هذا القول . والتعرض لوصف الظلم للإشعار بعلّيته للهلاك ، ولتذكر ما سبق من قوله : وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * . تنبيه : هذه الآية ، بلغت من أسرار الإعجاز غايتها ، وحوت من بدائع الفرائد نهايتها . وقد اهتم علماء البيان لإيضاح نخب من لطائفها . ومن أوسعهم مجالا في معارفها ، الإمام السكاكي ، فقد أطال وأطاب في كتابه ( المفتاح ) وتلطف في التبيان بألطف من نسيم الصباح ، ونحن نورده بتمامه ، لنعطر الألباب بعرف مبتدئه ومسك ختامه . قال عليه الرحمة في بحث ( البلاغة والفصاحة ) وتعريفه الأولى بأنها بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حدا له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها ، وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها ، ثم تقسيمه الفصاحة إلى ما يرجع إلى المعنى ، وهو خلوص الكلام عن التعقيد . وإلى اللفظ وهو كونه عربيا أصليا ، جاريا على قوانين اللغة ، أدور على ألسنة الفصحاء ، أكثر في الاستعمال ، ما صورته :